«من يكون؟».. ال CEO الذي أُغلقت حوله دائرة القرار وهل ستصل الأمور للحد الذي حذرت منه لجان المراجعة؟

«من يكون؟».. ال CEO الذي أُغلقت حوله دائرة القرار.. وهل بدأت الأرقام تكشف ما حذّر منه الآخرون؟
عندما تختفي الأصوات المخالفة من غرفة مجلس الإدارة، يصبح التصفيق أسهل.. لكن اكتشاف الخطأ يصبح أكثر صعوبة.
في عالم صناعة الدواء، لا تكفي زيادة المبيعات وحدها للحكم على نجاح الإدارة.
فهذه صناعة شديدة الحساسية، تخضع لتشريعات ورقابة صارمة، وأي تغيير في قواعد تداول مستحضر واحد يمكن أن يقلب حسابات شركة كاملة.
ومن هنا تبدأ قصة رئيس إحدى شركات الأدوية، الذي تطرح طريقة إدارته خلال السنوات الأخيرة عددًا من الأسئلة التي تستحق الإجابة.
من يكون هذا الرجل الذي أصبح القرار داخل شركته أكثر ارتباطًا برؤيته الشخصية، بعد خروج عدد من الأصوات التي كانت تشاركه صناعة القرار؟
بحسب معلومات متداولة داخل الشركة، شهدت الفترة الماضية تغييرات طالت عددًا من أصحاب الخبرات الذين كانت لهم آراء وتحفظات على بعض القرارات.
ومع خروج هذه الأصوات، أصبح السؤال أكثر إلحاحًا:
هل أصبحت الشركة تُدار بعقل جماعي، أم بعقل واحد؟
عندما تصعد المبيعات.. هل يعني ذلك أن الاستراتيجية ناجحة؟
لفترة من الزمن، كانت أرقام المبيعات تمنح الإدارة ورقة قوية للدفاع عن قراراتها.
المبيعات ترتفع، والنتائج تتحسن، وبالتالي يصبح من السهل القول إن الإدارة تسير في الاتجاه الصحيح.
لكن في صناعة الدواء تحديدًا، هناك فرق بين النمو المستدام وبين النمو الذي يعتمد على مجموعة محدودة من المستحضرات ذات الطلب المرتفع.
وهنا تظهر قضية أكثر حساسية.
بعض المستحضرات التي حققت طلبًا ومبيعات مرتفعة تعرضت لاحقًا لتغييرات تنظيمية وقيود أكبر على التداول بعد إدراجها ضمن الجداول الخاضعة للرقابة.
والنتيجة الطبيعية التي تستحق الدراسة:
ماذا يحدث لمبيعات الشركة عندما يتغير الإطار التنظيمي للمنتجات التي كانت تحقق لها جزءًا مهمًا من الإيرادات؟
هل كانت هناك خطة بديلة؟
هل تم التحذير من هذه المخاطر؟
وهل تم الاستماع أصلًا إلى من كانوا يرون أن الاعتماد الكبير على هذه المنتجات قد يمثل مخاطرة مستقبلية؟
الأصوات التي اختفت
هنا تأتي أهمية إدارات المراجعة الداخلية وإدارة المخاطر.
فهذه الإدارات لا يفترض أن تكون موجودة لتجميل التقارير أو البحث عن أخطاء الموظفين، وإنما وظيفتها الأساسية أن تقول للإدارة ومجلس الإدارة:
«هناك خطر يجب أن تنتبهوا إليه».
لكن ماذا يحدث عندما يصبح أصحاب هذه التحذيرات خارج الشركة؟
هل تختفي المشكلة؟
بالطبع لا.
الذي يختفي هو فقط الشخص الذي كان يتحدث عنها.
ومن هنا يصبح خروج عدد من مسؤولي المراجعة الداخلية وأصحاب الخبرات الرقابية من الشركة سؤالًا مشروعًا، وليس اتهامًا:
هل خرجوا لأسباب إدارية طبيعية؟ أم لأن تحذيراتهم لم تكن تتفق مع الاتجاه الذي أرادت الإدارة السير فيه؟
الإجابة لا نملكها.
لكن الأرقام المستقبلية ربما تملكها.
ثم جاءت الفاتورة القانونية
القصة لا تتوقف عند المبيعات.
ففي واقعة قضائية منشورة إعلاميًا، صدر حكم يتعلق بنزاع عمالي مع شركة أدوية، وانتهى إلى إلزام الشركة بمبلغ إجمالي كبير لصالح أحد العاملين، شمل تعويضات ومستحقات عمالية.
وتناولت وسائل إعلام ومواقع إخبارية هذه الواقعة، بما جعلها تتجاوز حدود أروقة المحاكم إلى الرأي العام.
وهنا يظهر سؤال إداري لا يقل أهمية عن قيمة التعويض نفسها:
هل كان يمكن تجنب هذه التكلفة لو كانت القرارات المتعلقة بإنهاء خدمة العاملين تمر بمراجعة قانونية وإدارية أكثر صرامة؟
والسؤال يصبح أكثر حساسية إذا كانت الشركة قد شهدت في وقت سابق تغييرات كبيرة في إدارة الشئون القانونية.
فمن يراجع القرار؟
ومن يحذر من مخاطره؟
ومن يخبر الإدارة بأن قرارًا يبدو بسيطًا اليوم قد يتحول غدًا إلى حكم قضائي بمئات الآلاف أو الملايين؟
والفاتورة ليست مالية فقط
فالتعويضات التي تصدرها المحاكم لا تمثل دائمًا خسارة مالية تنتهي بمجرد سداد المبلغ.
في بعض الحالات، قد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من قيمة التعويض، لتثير تساؤلات حول جودة القرارات الإدارية، ومدى كفاءة الإجراءات القانونية والموارد البشرية، وآليات مراجعة القرارات قبل تنفيذها.
وعندما تتداول وسائل الإعلام حكمًا قضائيًا بتعويض كبير لأحد العاملين، فإن الأمر قد يتحول من مجرد رقم في ميزانية الشركة إلى قضية تمس صورة الإدارة وثقة العاملين والمساهمين وأصحاب المصالح في قدرة الإدارة على اتخاذ قرارات مدروسة ومتوافقة مع القانون.
فالثقة، مثل السمعة، تُبنى على سنوات، بينما يمكن لقرار إداري واحد محل جدل أو حكم قضائي لافت أن يفتح بابًا واسعًا للأسئلة:
هل كان القرار مدروسًا؟
هل تمت مراجعته قانونيًا قبل تنفيذه؟
هل كان بالإمكان الوصول إلى نتيجة أقل تكلفة؟
وهل كان من الممكن تجنب النزاع من الأساس؟
ولهذا فإن تكلفة القرار الإداري لا يجب أن تُقاس دائمًا بقيمة التعويض الذي انتهى إليه الحكم.
فأحيانًا تكون هناك فاتورة أخرى لا تظهر في الميزانية: فاتورة الثقة والسمعة وصورة الإدارة.
وهذه الفاتورة قد تكون، على المدى الطويل، أكثر أهمية من قيمة التعويض نفسه.
النجاح الحقيقي يبدأ عندما تتغير الظروف
قد ينجح أي رئيس شركة في تحقيق نتائج استثنائية عندما تكون السوق في صالحه.
لكن الاختبار الحقيقي للإدارة يبدأ عندما تتغير الظروف.
عندما تتغير قواعد التداول.
عندما يتغير تصنيف مستحضر.
عندما تنخفض مبيعات منتج كان يمثل مصدرًا مهمًا للإيرادات.
عندما تبدأ الدعاوى العمالية.
وعندما يكتشف مجلس الإدارة أن الأصوات التي كانت تحذر من المخاطر لم تعد موجودة داخل الشركة.
هنا فقط يمكن قياس قوة الإدارة.
ليس عندما تكون الأرقام صاعدة..
بل عندما تبدأ الأرقام في الهبوط.
والسؤال الأخير: من يتحمل المسؤولية؟
لسنا أمام محكمة لإدانة أحد.
ولسنا أمام اتهام لشخص بعينه.
نحن أمام مجموعة من الأسئلة المشروعة التي يجب أن تجد إجابات داخل أي شركة كبرى:
من اتخذ القرارات؟
من راجعها؟
من حذّر منها؟
لماذا خرج أصحاب الرأي المختلف؟
هل كانت هناك خطة لمواجهة تغير القواعد التنظيمية للمنتجات الأكثر مبيعًا؟
وهل تم احتساب المخاطر القانونية لقرارات إنهاء خدمة العاملين؟
وهل كانت مجالس الإدارة تحصل بالفعل على صورة كاملة عن المخاطر، أم أن بعض المعلومات كانت تتوقف عند مستوى معين من الإدارة؟
والأهم:
هل كانت زيادة المبيعات دليلًا على نجاح الإدارة فعلًا، أم أنها أخّرت فقط ظهور فاتورة القرارات؟
ربما يكون رئيس الشركة محقًا.
وربما يكون منتقدوه مخطئين.
وربما تكون الحقيقة في مكان ما بين الاثنين.
لكن الإجابة لا تحتاج إلى تشهير..
تحتاج إلى أرقام، ومحاضر، وقرارات، وتقارير رقابية، وأحكام قضائية.
ففي النهاية، التاريخ الإداري لأي شركة لا تكتبه التصريحات ولا المديح.
تكتبه النتائج عندما تتغير الظروف.
ويبقى السؤال الذي يستحق أن يُطرح:
من يكون؟
رئيس نجح لأنه كان يعرف كيف يدير الشركة؟
أم رئيس ساعدته ظروف السوق على تحقيق نتائج استثنائية؟
أم أن الحقيقة تقع في مكان ما بين الاثنين؟


